The gift of unconditional love (Arabic)

هبة الحب غير المشروط

بقلم ميلاني هايورث

في كثير من الأحيان عندما أتحدث مع أولياء أمور الأطفال المتوحدين، وخاصة الذين يتواصلون بطرق غير تقليدية، اكتشف أن من مخاوفهم العميقة والمترسخة هو أنهم لن يسمعوا أبدًا كلمة “أحبك” من طفلهم.  ويبدو سماع هذه الكلمة منطوقة بصوت طفلهم للعديد من أولياء الأمور حاجة أساسية وعميقة وكأنها الإثبات النهائي على الرباط بينه وبينهم والدليل الأسمى على التفاني المتبادل.  وأدرك من همهمات التعاطف التي أسمعها من أولياء الأمور الآخرين أن الكثيرون لديهم رأيّ مماثل،

ومع ذلك أستغرب هذا الحزن العميق الذي يشعر به أولياء الأمور إزاء مستقبل قد لا يسمعون فيه “هذه الكلمة” وأتساءل منذ متى أصبحت للكلمات مثل هذه الأهمية، ومنذ متى رادف الصوت المجازي امتلاك صوت حرفيًا. هل يقول الطفل “أحبك” باقتناع أقل لمجرد أنه لا يستخدم حباله الصوتية بل التواصل المعزز والبديل؟ هل استخدام الطفل للغة الإشارة ليقول “أحبك” يقوض من عمق مشاعره؟ هل يقل شعور الطفل بالحب الذي يعبر عنه من خلال كل تواصله وسلوكه إن لم يعبر عنه بكلماته؟

مربط الفرس في هذه الأخيرة، أليس كذلك؟ لأن أولياء الأمور يشكّون في تفسيرهم الذاتي تماما لنوايا طفلهم المتمثلة في سلوكيات معينة. هل تعبر ابتسامة طفلهما عن حبه لهما؟ هل يعبر احتضانه لهما عنه؟ هل يشير تفضيل ابنهما لصحبتهما على صحبة أي شخص آخر إلى حبه لهما؟  هل سعي ابنتهما المتوحدة للمواساة منهما واعتقادها التام بأنهما قادران على مواساتها يدل على الحب؟ ماذا يعني أن ينظر الطفل ببساطة في اتجاه والديه للتأكد من أنهما لا يزالوا موجودين؟ ماذا يعني أن يثق ابنهما بهما دون غيرهما أن يلمساه مع أنه يتوقع أن تؤلمه تلك اللمسات؟  هل هو حب؟ هل هو تصريح بالحب؟ هل يكفي؟

أجيب على هذا السؤال قطعًا بنعم. أطفالنا يصرحون لنا عن حبهم يوميا عبر تصرفاتهم وسلوكهم، ويكون التعبير جليًا في بعض الأحيان، فأصغرهم سنا يحب أن يشكّل رمزا للقلب بأصابعه ثم بشير إليّ. وفي بعض الأحيان يكون التعبير أكثر غموضًا، مثل ما يحدث عندما يجلس أكبرهم بجواري واضعا قدمه فوق قدمي ليبين لي أنه سندي وليؤكد لنفسه أنني سنده. علينا كأولياء الأمور أحيانا أن نتعلم فك الرموز على وجه أفضل وأن نثق بأطفالنا وبوجود تلك الرموز، وذلك لأنها في أغلب الأحيان موجودة.

إحدى العبارات الاصطلاحية القليلة التي أفهمها فعلا هي أن الأفعال أبلغ من الأقوال.  فعندما بحثت عن معناها على جوجل كان أول ما ظهر لي هو “يقول الناس يوميا أشياء ويوعدون وعودا ليست في نيتهم الوفاء بها، ويمكنك أن تكرر الإفصاح عن حبك لشخص ما قدر ما تود ولكن ذلك الشخص على الأرجح لن يصدق كلامك ما لم تتفق تصرفاتك مع ما تقول.” أليس هذا جوهر القضية؟ فأنا أفضل أن أشعر بحب أطفالي لي على أن أسمع الكلمات منه، وأفضل أن يظهروا محبتهم لي بأي من الطرق المعبرة كثيرًا أو قليلا والفريدة والغريبة التي تناسبهم على أن أسمع كلمات يعيدون تلاوتها بعدما حفظوها على ظهر القلب.  

وإذا كان الأمر ينطبق على أطفالنا فهو ينطبق أيضا علينا كأولياء الأمر. فمعظمنا يقول لأطفالنا بانتظام أننا نحبهم، ولكن هل تعكس تصرفاتنا دائما ما نصرح به؟ هل نجعلهم محبوبين بمجرد إلقاء كلمة أحبك عليهم؟ هل يري أطفالنا حبنا لهم في تصرفاتنا وفي تعاملنا معهم؟ هل يصدقونا؟

الحب غير المشروط. هذا ما نتوقعه من أطفالنا: نتوقع أن يغفروا لنا بلا شروط وأن يحبونا رغم عن كوننا مررنا بوقت جيد أو عصيب، بالرغم من مزاجنا المتقلب وأخطاءنا غير المقصودة، بالرغم من عدم سيطرتنا على مشاعرنا ونبرة نفاذ الصبر في أصواتنا بعد يوم عمل طويل، وفقداننا الغاضب للصبر واللحظات التي ننسى فيها التعاطف أو نخطئ الحكم عليهم.  وسؤالي هو إن كنا نحن كأولياء الأمر نقدم لأطفالنا نفس تلك المحبة والمغفرة غير المشترطة؟ بالطبع نحن نحبهم بذلك الأسلوب المشحون بيولوجيا لأنهم أفلاذ أكبادنا، ولكن هل نستلطف أطفالنا بالفعل؟ هل نستمتع بصحبتهم ونسعد بوجودهم؟ هل حقًا نحبهم لكونهم هذه المخلوقات الاستثنائية المبهجة والرائعة؟ لأننا إن كنا ذلك بالفعل فذلك يعني أننا نحب توحدهم أيضا.

قرأت مؤخرًا مقالة أكاديمية عن تربية الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة (ليس فقط المتوحدين ولكن المقالة كانت تناسب سياق التوحد جدًا)، تأسف مؤلفيها للطريقة التي يصر بها تثقيف أولياء أمور الطفل بعد تشخيصه بالإعاقة على الزج بالتدخلات والعلاجات في كافة أوجه حياة الطفل بما في ذلك حياته المنزلية. فهذا التركيز على التدخل يؤثر سلبا على الطريقة التي يستطيع بها أولياء أمر الطفل التعبير عن حبهما غير المشروط لطفلهما، ويحولون المنزل إلى بيئة استعراضية غير طبيعية بتغليف كافة أوجه الطفولة بالعلاج والتدخل. يجادل المؤلفون أن الطفل يستوعب مع مرور الوقت فكرة كونه غير مستحق كما هو للحب غير المشروط وأن عليه أن يتغير ويؤدي ويخفي حتى يحصل على الحب.  الفكرة لا يتم التعبير عنها صراحة وليست بالضرورة مقصودة بوعي، إلا أن الأطفال سريعا ما يدركون إن وضعهم الحالي يجعلهم غير محبوبين وغير مرغوب فيهم (Turnbull et al., 1999) ويصل أطفالنا المتوحدين إلى الاستنتاج بأنه وفي حين ماما وبابا يحبونهم كوجه من أوجه الرغبة البدائية في حب الذرية وحمايتها، إلا أنه لا يمكن بالضرورة استلطافهم كأفراد وبشر، ويستوعبون مفهومًا فحواه أن عليهم الأداء بطريقة لا تنم على التوحد حتى يكون من الممكن استلطافهم وحبهم بعمق على المستوى الشخصي.

إلا أنه يحق لأطفالنا أن يعرفوا بأن توحدهم يحظى أيضا بحب غير مشروط، وأن لديهم الحق في أن يقبل والديهما بمن هم ويحبونهم.  بل أن الأمر في الحقيقة يتعدى ذلك إلى أن لهؤلاء الأطفال الحق في أن يقبل أولياء أمورهم بهوياتهم المتوحدة ويستلطفونها، لأن حبنا لأطفالنا وقبولنا وتقديرنا لجميع أوجههم بما في ذلك توحدهم يهبهم إحساسًا بالسلامة (وهي كلمة اقترضتها من مقالة ترنبول) وتعني ببساطة أن كافة أوجه الهوية والذات لها قيمتها كأجزاء أساسية وإيجابية للفرد. ومفهوم السلامة هذا مفهوم هام للغاية: لكل الأطفال الحق في أن يشعروا بأنهم محبوبون (ومستلطفون) كما هم على حقيقتهم دون تغيير .. سالمين.  من الضروري أن يختبر الشخص الإحساس بسلامة الذات ليطور احترامًا صحيحًا وإيجابيا لذاته ويستند جزئيا إلى “قدرة الوالدين على إظهار فخرهما وسرورهما بالجزء المعاق من جسم الطفل بصفته أحد الجوانب المرعيّة للطفل وعلى إيصال تقديرهما واحترامهما للطرق الفريدة التي ينفذ بها الطفل أموره والتي في أحيان كثيرة تختلف عن الطرق المعتادة” (Turnbull et al., 1999, p. 165)

إذا لم نقدّر أطفالنا كاملين مكتملين ولم نراهم جديرين بمحبتنا غير المشروطة ولم تقر ونقبل بقيمتهم في مجتمعاتنا المحلية فسوف يكبرون ولديهم انطباع بأن عليهم أن يغيروا ما بجوهر أنفسهم حتى يستحقوا حبنا غير المشروط هذا،

مما يقودونا بطبيعة الأمر إلى الاستنتاج بأن حبنا مشروط إن كان يستدعي منهم أن يغيروا من حالهم ليحصلوا عليه.

فلنواجه الأمر بصدق وشجاعة: إذا استوعب أطفالنا ضرورة أن يتغيروا حتى يحصلوا على محبتنا فذلك يعادل كونهم غير جديرين بالحب على طبيعتهم: متوحدين. للأسف “يوصّل أولياء الأمور في أحيان عديدة لأطفالهم فكرة بشكل مباشر أو غير مباشر، فحواها أن الإعاقة أمر يجب إخفاءه أو تغييره أو حتى تطهيره، وأن على الطفل السعي لأن يظهر بمظهر “طبيعي” وغير معاق قدر الإمكان” (Turnbull et al., 1999, p. 166) يضحّي هذا السعي نحو الحياة الطبيعية والجهد المبذول للتوافق مع ما هو نموذجي متجانس بسلامة الطفل وكمالهم وهويتهم.. أي يضحي بإحساسهم بذاتهم.

كيف علينا إذن أن نربي؟ كتبت في الماضي عن أهمية الاستثمار في علاقاتك مع الشخص المتوحد الذي تحبه، وهو أمر أساسي. ولكني أعتقد في نهاية المطاف أن علينا التعامل مع تربية طفلنا من منظوره،  وأن علينا منحه نوع الحب غير المشروط الذي نتوقعه منه. كما علينا أن نتفهم ما هو قيّم من خلال الإنصات إلى أصوات غيره من المتوحدين الأطفال والبالغين. يجب علينا أيضا تنمية احترام حقيقي للتوحد والمتوحدين كأشخاص لهم قيمتهم، كاملين مكتملين وجديرين بالحب والشمول غير المشروط منا. فعلى عاتقنا تقع مسؤولية تربية أطفالنا على خير وجه وقبول هوياتهم سليمة. ومن واجبنا كأولياء أمور وكأفراد مجتمع أن تطابق تصرفاتنا كلماتنا وأن نظهر حبنا غير المشروط من خلال تقبل أطفالنا على وضعهم وليس على الوضع الذي نريده لهم، وذلك من أجل أطفالنا ومن أجل بعضنا البعض. فأطفالنا يستحقون ذلك.

Subscribe

Whether you are Autistic, you love someone Autistic, or you work with Autistic people, we want to hear from you.

Anyone who is committed to achieving inclusion and acceptance for the Autistic community can take advantage of our educational program by subscribing. Subscription is free and offers you priority access to all Reframing Autism events.

Sign up with your email address to receive news and updates.